السيد عباس علي الموسوي
280
شرح نهج البلاغة
اجتمع الحكمان في دومة الجندل ومع كل منهما فرقة من أتباعه . وبعد أخذ ورد وطول جدال أرتأ أبو موسى الأشعري أن يخلع الرجلين ويجعل الأمر شورى فيختار المسلمون لأنفسهم من أحبوا . فقال عمرو : الرأي ما رأيت فأقبلا إلى الناس وهم مجتمعون . فقال عمرو : يا أبا موسى أعلمهم أن رأينا قد اتفق فتكلم أبو موسى . فقال : إن رأينا قد اتفق على أمر نرجو أن يصلح اللّه به أمر هذه الأمة . فقال عمرو : صدق وبر تقدم يا أبا موسى فتكلم ، فتقدم أبو موسى . فقال له ابن عباس : ويحك واللّه إني لأظنه قد خدعك ، إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه فليتكلم به قبلك ثم تكلم به بعده فإنه رجل غادر ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا بينكما فإذا قمت في الناس خالفك . وكان أبو موسى مغفلا فقال : إنا قد اتفقنا وقال : أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أصلح لأمرها وألم لشعثها من أمر قد أجمع رأيي ورأي عمرو عليه وهو أن نخلع عليا ومعاوية ويولي الناس أمرهم من أحبوا وإني قد خلعت عليا ومعاوية فاستقبلوا أمركم وولوا عليكم من رأيتموه أهلا ثم تنحى . وأقبل عمرو فقام وقال : إن هذا قد قال ما سمعتموه وخلع صاحبه وأنا أخلع صاحبه كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولي ابن عفان والطالب بدمه وأحق الناس بمقامه . فقال سعد : ما أضعفك يا أبا موسى عن عمرو ومكايده . فقال أبو موسى : فما أصنع وافقني على أمر ثم نزع عنه . فقال ابن عباس : لا ذنب لك يا أبا موسى ، الذنب لمن قدّمك في هذا المقام . قال : غدر فما أصنع . فقال ابن عمر أنظروا إلى ما صار أمر هذه الأمة ، صار إلى رجل ما يبالي ما صنع وإلى آخر ضعيف . وقال أبو موسى لعمرو : لا وفقك اللّه غدرت وفجرت إنما مثلك « كمثل الكلب أن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث » . فقال عمرو : إنما مثلك « كمثل الحمار يحمل أسفارا » وبين الكلب والحمار ضاع أمر الأمة وتوجهت إلى غير وجهتها السليمة .